الشيخ محمد رشيد رضا
139
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بنصره لهم ببدر ، ثم ذكر المتقين وأوصافهم وما وعدوا به ؛ ثم ذكر بعد ذلك كله مضى السنن في الأمم وأنه بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ، فذكر السنن بعد ذلك كله يفيد معاني كثيرة تحتاج إلى شرح طويل جدا لا معنى واحدا كما قيل . وإن في القرآن من إفادة المباني القليلة للمعاني الكثيرة بمعونة السياق والأسلوب ما لا يخطر في بال في أحد من كتاب البشر وعلمائهم ومثل هذا مما تجب العناية ببيانه ، يقول الشيخ عبد القاهر في دلائل الاعجاز : ان كون القرآن معجزا ببلاغته يوجب علينا أن نجعل أسلوبه الذي كان معجزا به فنا ليبقى دالا على وجه إعجازه . كذلك أقول : ان ارشاد اللّه إيانا إلى أن له في خلقه سننا يوجب علينا أن نجعل هذه السنن علما من العلوم لنستديم ما فيها من الهداية والموعظة على أكمل وجه ، فيجب على الأمة في مجموعها أن يكون فيها قوم يبينون لها سنن اللّه في خلقه كما فعلوا في غير هذا العلم من العلوم والفنون التي أرشد إليها القرآن بالاجمال وقد بينها العلماء بالتفصيل عملا بارشاده ، كالتوحيد والأصول والفقه . والعلم بسنن اللّه تعالى من أهم العلوم وأنفعها والقرآن يحيل عليه في مواضع كثيرة وقد دلنا على مأخذه من أحوال الأمم إذ أمرنا أن نسير في الأرض لأجل اجتلائها ومعرفة حقيقتها . ولا يحتج علينا بعدم تدوين الصحابة لها فان الصحابة لم يدونوا غير هذا العلم من العلوم الشرعية التي وضعت لها الأصول والقواعد ؛ وفرعت منها الفروع والمسائل ، قال ) وانني لا أشك في كون الصحابة كانوا مهتدين بهذه السنن وعالمين بمراد اللّه من ذكرها . يعنى أنهم بما لهم من معرفة أحوال القبائل العربية والشعوب القريبة منهم ومن التجارب والاخبار في الحرب وغيرها وبما منحوا من الذكاء والخذق وقوة الاستنباط كانوا يفهمون المراد من سنن اللّه تعالى ويهتدون بها في حروبهم وفتوحاتهم وسياستهم للأمم التي استولوا عليها . لذلك قال وما كانوا عليه من العلم بالتجربة والعمل أنفع من العلم النظري المحض وكذلك كانت علومهم كلها ، ولما اختلفت حالة العصر اختلافا احتاجت معه الأمة إلى تدوين علم الاحكام وعلم العقائد وغيرهما كانت محتاجة أيضا إلى تدوين هذا العلم ولك أن تسميه علم السنن الإلهية أو علم الاجتماع أو علم السياسة الدينية . سم بما شئت فلا حرج في التسمية ثم قال : ومعنى الجملة : انظروا إلى من تقدمكم من الصالحين والمكذبين فإذا